سورة الكهف - تفسير تفسير الشوكاني

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الكهف)


        


قوله: {وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، أعثرنا عليهم، أي: أطلعنا الناس عليهم وسمي الإعلام: إعثاراً، لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سبباً لحصول العلم. {لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} أي: ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم أن وعد الله بالبعث حق. قيل: وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر البعث، فأراه الله هذه الآية. قيل: وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق، وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق، لما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟ قال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، فعرف الملك صدقه، ثم قصّ عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف {وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي: وليعلموا أن القيامة لا شكّ في حصولها، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث {إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} الظرف متعلق بأعثرنا أي: أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل: في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم، وفي عددهم، وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم {فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا} لئلا يتطرق الناس إليهم، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية، فقال بعضهم: ابنوا عليهم بنياناً يسترهم عن أعين الناس. ثم قال سبحانه حاكياً لقول المتنازعين فيهم وفي عددهم، وفي مدّة لبثهم، وفي نحو ذلك مما يتعلق بهم {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} من هؤلاء المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضاً للعلم إلى الله سبحانه، وقيل: هو من كلام الله سبحانه، ردّاً لقول المتنازعين فيهم، أي: دعوا ما أنتم فيه من التنازع، فإني أعلم بهم منكم، وقيل: إن الظرف في {إِذْ يتنازعون} متعلق بمحذوف هو أذكر، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله، ويمكن أن يقال: إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم قرناً بعد قرن، منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوباً على باب الغار، كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا} ذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان، والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى. قال الزجاج: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور.
لأن المساجد للمؤمنين. {سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، هم المتنازعون في عددهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين، وقيل: هم أهل الكتاب خاصة، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعاً قالوا جميع ذلك، بل قال بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا، وبعضهم بكذا {ثلاثة رابعهم كلبهم} أي: هم ثلاثة أشخاص، وجملة {رابعهم كلبهم} في محل نصب على الحال أي: حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} الكلام فيه كالكلام فيما قبله، وانتصاب {رَجْماً بالغيب} على الحال، أي: راجمين أو على المصدر، أي: يرجمون رجماً، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب. قيل: وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين. قال أبو عليّ الفارسي: قوله: {رابعهم كلبهم} و{سادسهم كلبهم} جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهي قوله: {ثلاثة} والتقدير: هم ثلاثة، هكذا حكاه الواحدي عن أبي علي، ثم قال: وهذا معنى قول الزجاج في دخول الواو في: {وثامنهم} وإخراجها من الأوّل، وقيل: هي مزيدة للتوكيد، وقيل: إنها واو الثمانية، وإن ذكره متداول على ألسن العرب إذا وصلوا إلى الثمانية كما في قوله تعالى: {وَفُتِحَتْ أبوابها} [الزمر: 73] وقوله: {ثيبات وَأَبْكَاراً} [التحريم: 5]. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} منكم أيها المختلفون، ثم أثبت علم ذلك لقليل من الناس فقال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ} أي: يعلم ذواتهم فضلاً عن عددهم، أو ما يعلم عددهم على حذف المضاف {إِلاَّ قَلِيلٌ} من الناس، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} المراء في اللغة: الجدال يقال: مارى يماري مماراة ومراءً أي: جادل، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهراً واضحاً فقال: {إِلاَّ مِرَآء ظاهرا} أي: غير متعمق فيه وهو أن يقصّ عليهم ما أوحى الله إليه فحسب.
وقال الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً} أي: لا تستفت في شأنهم من الخائفيين فيهم أحداً منهم، لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي، وها هنا الأمر بالعكس، ولا سيما في واقعة أهل الكهف، وفيما قصّ الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له.
{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً} أي: لأجل شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، فيدخل فيه الغد دخولاً أوّلياً. قال الواحدي: قال المفسرون: لما سألت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خبر الفتية فقال: «أخبركم غداً»، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شقّ عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول: إذا قلت لشيء: إني فاعل ذلك غداً، فقل: إن شاء الله.
وقال الأخفش والمبرد والكسائي والفراء: لا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول إن شاء الله، فأضمر القول ولما حذف تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، قيل: وهذا الاستثناء مفرّغ، أي: لا تقولنّ ذلك في حال من الأحوال، إلا حال ملابسته لمشيئة الله وهو أن تقول إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله مطلقاً، وقيل: الاستثناء جار مجرى التأبيد كأنه قيل: لا تقولنه أبداً كقوله: {وَمَا يكون لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله} [الأعراف: 89]. لأن عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله. {واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الاستثناء بمشيئة الله أي: فقل إن شاء الله، سواء كانت المدّة قليلة أو كثيرة.
وقد اختلف أهل العلم في المدّة التي يجوز إلحاق الاستثناء فيها بعد المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها وقيل: المعنى {واذكر رَّبَّكَ} بالاستغفار {إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِى رَبّى لأقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا} المشار إليه بقوله: {من هذا} هو نبأ أصحاب الكهف، أي: قل يا محمد عسى أن يوفقني ربي لشيء أقرب من هذا النبأ من الآيات والدلائل الدالة على نبوّتي. قال الزجاج: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب في الرشد وأدلّ من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف، وقيل: الإشارة إلى قوله: {واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي: عسى أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشيء آخر بدل هذا المنسيّ، وأقرب منه رشداً وأدنى منه خيراً ومنفعة، والأوّل أولى. {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سنين وازدادوا تِسْعًا} قرأ الجمهور بتنوين مائة ونصب سنين، فيكون سنين على هذه القراءة بدلاً أو عطف بيان.
وقال الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي: فيه تقديم وتأخير، والتقدير سنين ثلثمائة، ورجح الأوّل أبو عليّ الفارسي. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزاً على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله تعالى: {بالأخسرين أعمالا} [الكهف: 103] قال الفراء: ومن العرب من يضع سنين موضع سنة. قال أبو علي الفارسي: هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى المجموع وفي مصحف عبد الله: {ثلثمائة سنة}.
وقال الأخفش: لا تكاد العرب تقول مائة سنين. وقرأ الضحاك {ثلثمائة سنون} بالواو. وقرأ الجمهور {تسعاً} بكسر التاء. وقرأ أبو عمرو بفتحها، وهذا إخبار من الله سبحانه بمدّة لبثهم. قال ابن جرير: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدّة بعد الإعثار عليهم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه المدّة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمر الله أن يردّ علم ذلك إليه، فقال: {قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} قال ابن عطية: فقوله على هذا: لبثوا الأوّل يريد في يوم الكهف، ولبثوا الثاني يريد بعد الإعثار عليهم إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو إلى أن ماتوا.
وقال بعضهم: إنه لما قال: {وازدادوا تِسْعًا} لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام؟ واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر الله برد العلم إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. والأوّل أولى، لأن الظاهر من كلام العرب المفهوم بحسب لغتهم أن التسع أعوام، بدليل أن العدد في هذا الكلام للسنين لا للشهور ولا للأيام ولا للساعات. وعن الزجاج أن المراد: ثلثمائة سنة شمسية وثلثمائة وتسع سنين قمرية، وهذا إنما يكون من الزجاج على جهة التقريب. ثم أكد سبحانه اختصاصه بعلم ما لبثوا بقوله: {لَهُ غَيْبُ السموات والأرض} أي: ما خفي فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره من ذلك شيء، ثم زاد في المبالغة والتأكيد فجاء بما يدلّ على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات فقال: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} فأفاد هذا التعجب على أن شأنه سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين، وأنه يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفيّ والظاهر، والصغير والكبير، واللطيف والكثيف، وكأن أصله ما أبصره وما أسمعه، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء، والباء زائدة عند سيبويه وخالفه الأخفش، والبحث مقرر في علم النحو {مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ} الضمير لأهل السموات والأرض، وقيل: لأهل الكهف، وقيل: لمعاصري محمد من الكفار، أي: ما لهم من موالٍ يواليهم أو يتولى أمورهم أو ينصرهم، وفي هذا بيان لغاية قدرته وأن الكل تحت قهره {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا} قرأ الجمهور برفع الكاف على الخبر عن الله سبحانه.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على أنه نهي للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لله شريكاً في حكمه، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر. وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم. قال يعقوب: لا أعرف وجهها، والمراد بحكم الله: ما يقضيه، أو علم الغيب. والأوّل أولى. ويدخل علم الغيب في ذلك دخولاً أوّلياً، فإن علمه سبحانه من جملة قضائه.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} قال: أطلعنا.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ} قال: الأمراء، أو قال: السلاطين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {سَيَقُولُونَ ثلاثة} قال: اليهود {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ} قال: النصارى.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {رَجْماً بالغيب} قال: قذفاً بالظنّ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال: أنا من القليل كانوا سبعة.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح في قوله: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس: أنهم كانوا سبعة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} يقول: حسبك ما قصصت عليك.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً} قال: اليهود.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ} الآية قال: إذا نسيت أن تقول لشيء إني أفعله فنسيت أن تقول: إن شاء الله، فقل إذا ذكرت: إن شاء الله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ: {واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة- وفي رواية: تسعين- تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم يلد منهنّ إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته»
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عكرمة {إِذَا نَسِيتَ} قال: إذا غضبت.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن {إِذَا نَسِيتَ} قال: إذا لم تقل إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ} الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلثمائة وتسع سنين، قال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله {قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} ولكنه حكى مقالة القوم فقال: {سَيَقُولُونَ ثلاثة} إلى قوله: {رَجْماً بالغيب} فأخبر أنهم لا يعلمون، ثم قال: سيقولون {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا}.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في حرف ابن مسعود، وقالوا: {ولبثوا في كهفهم} الآية، يعني: إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال: {قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}.
وأخرج ابن مردويه عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة} قيل: يا رسول الله أياماً أم أشهراً أم سنين؟ فأنزل الله: {سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا}.
وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} قال: الله يقوله.


قوله: {واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ} أمره الله سبحانه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه، قيل: ويحتمل أن يكون معنى قوله: {واتل} واتبع، أمراً من التلوّ، لا من التلاوة، و{مِن كتاب رَبّكَ} بيان للذي أوحي إليه {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} أي: لا قادر على تبديلها وتغييرها، وإنما يقدر على ذلك هو وحده. قال الزجاج: أي ما أخبر الله به وما أمر به فلا مبدّل له، وعلى هذا يكون التقدير: لا مبدّل لحكم كلماته {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} الملتحد: الملتجأ، وأصل اللحد: الميل، قال الزجاج: لن تجد معدلاً عن أمره ونهيه، والمعنى: أنك إن لم تتبع القرآن وتتله وتعمل بأحكامه لن تجد معدلاً تعدل إليه ومكاناً تميل إليه. وهذه الآية آخر قصة أهل الكهف. ثم شرح سبحانه في نوع آخر كما هو دأب الكتاب العزيز فقال: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم} قد تقدّم في الأنعام نهيه صلى الله عليه وسلم عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الأنعام: 52] وأمره سبحانه ههنا بأن يحبس نفسه معهم، فصبر النفس هو حبسها، وذكر الغداة والعشي كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات، وقيل: في طرفي النهار، وقيل المراد: صلاة العصر والفجر. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن وابن عامر: {بالغدوة} بالواو، واحتجوا بأنها في المصحف كذلك مكتوبة بالواو. قال النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول: الغدوة، ومعنى {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه، والجملة في محل نصب على الحال، ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي: لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم. قال الفراء: معناه لا تصرف عيناك عنهم، وقال الزجاج: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، واستعماله بعن لتضمنه معنى النبوّ، من عدوته عن الأمر، أي: صرفته منه، وقيل: معناه: لا تحتقرهم عيناك {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} أي: مجالسة أهل الشرف والغنى، والجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونك مريداً لذلك، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان الفاعل ضميراً يعود إلى العينين، فالتقدير: مريدة زينة الحياة الدنيا، وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز، وتوحيد الضمير للتلازم كقول الشاعر:
لمن زحلوقة زل *** بها العينان تنهلّ
{وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي: جعلناه غافلاً بالختم عليه، نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه غافلاً عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} أي: متجاوزاً عن حدّ الاعتدال، من قولهم: فرس فرط: إذا كان متقدماً للخيل فهو على هذا من الإفراط.
وقيل هو: من التفريط، وهو التقصير والتضييع. قال الزجاج: ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه. ثم بيّن سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ما يقوله لأولئك الغافلين، فقال: {وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ} أي قل لهم: إن ما أوحي إليك وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله، لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير، وقيل: المراد بالحق الصبر مع الفقراء. قال الزجاج: أي الذين أتيتكم به الحق مِن رَّبّكُمْ يعني: لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} قيل: هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله، والفاء لترتيب ما قبلها على ما بعدها، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من القول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه تهديد شديد، ويكون المعنى: قل لهم يا محمد الحق من ربكم وبعد أن تقول لهم هذا القول، من شاء أن يؤمن بالله ويصدّقك فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر. ثم أكد الوعيد وشدّده فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي: أعددنا وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه ناراً عظيمة {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: اشتمل عليهم. والسرادق: واحد السرادقات. قال الجوهري: وهي التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، ومنه قول رؤبة:
يا حكم بن المنذر بن جارود *** سرادق المجد عليك ممدود
وقال الشاعر:
هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه *** صدور الفيول بعد بيت مسردق
يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة.
وقال ابن الأعرابي: سرادقها: سورها.
وقال القتيبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط. والمعنى: أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من حرّ النار {يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل} وهو: الحديد المذاب. قال الزجاج: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب أو الصفر، وقيل: هو درديّ الزيت.
وقال أبو عبيدة والأخفش: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس. وقيل: هو ضرب من القطران. ثم وصف هذا الماء الذي يغاثون به بأنه {يَشْوِى الوجوه} إذا قدّم إليهم صارت وجوههم مشوية لحرارته {بِئْسَ الشراب} شرابهم هذا {وَسَاءتْ} النار {مُرْتَفَقًا} متكأً، يقال: ارتفقت أي: اتكأت، وأصل الارتفاق: نصب المرفق، ويقال: ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه، وقال القتيبي: هو المجلس، وقيل، المجتمع.
{إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} هذا شروع في وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين، والمعنى: إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك وعملوا الصالحات من الأعمال {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} هذا خبر {إن الذين آمنوا}، والعائد محذوف، أي: من أحسن منهم عملاً، وجملة: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} استئناف لبيان الأجر، والإشارة إلى من تقدّم ذكره، وقيل: يجوز أن يكون {أولئك} خبر {إن الذين آمنوا}، وتكون جملة: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} اعتراضاً، ويجوز أن يكون {أولئك} خبراً بعد خبر، وقد تقدّم الكلام {في جنات عدن}، وفي كيفية جري الأنهار من تحتها {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} قال الزجاج: أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، وهي زينة تلبس في الزند من اليد وهي من زينة الملوك، قيل: يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من فضة، واحد من لؤلؤ، وواحد من ذهب، وظاهر الآية أنها جميعها من ذهب، ويمكن أن يكون قول القائل هذا جمعاً بين الآيات لقوله سبحانه في آية أخرى: {أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} [الإنسان: 21]، ولقوله في آية أخرى: {وَلُؤْلُؤاً} [الحج: 23]. و{من} في قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ} للابتداء، وفي {من ذهب} للبيان.
وحكى الفراء {يحلون} بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام، يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية: إذا لبست الحليّ {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} قال الكسائي: السندس: الرقيق، واحده سندسة، والإستبرق: ما ثخن وكذا قال المفسرون، وقيل: الإستبرق: هو الديباج كما قال الشاعر:
وإستبرق الديباج طوراً لباسها ***
وقيل: هو المنسوج بالذهب. قال القتيبي: هو فارسيّ معرّب. قال الجوهري: وتصغيره أبيرق، وخصّ الأخضر لأنه الموافق للبصر، ولكونه أحسن الألوان {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك} قال الزجاج: الأرائك: جمع أريكة، وهي السرر في الحجال، وقيل: هي أسرة من ذهب مكللة بالدرّ والياقوت، وأصل اتكأ: اوتكأ، وأصل متكئين: موتكئين، والاتكاء: التحامل على الشيء {نِعْمَ الثواب} ذلك الذي أثابهم الله به {وَحَسُنَتْ} تلك الأرائك {مُرْتَفَقًا} أي متكأً وقد تقدّم قريباً.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {مُلْتَحَدًا} قال: ملتجأً.
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم، يعنون: سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف، جالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله: {واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ} إلى قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}، زاد أبو الشيخ عن سلمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات».
وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى} فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف الجلد وذو الثوب الخلق، فلما رآهم جلس معهم وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم».
وأخرج البزار عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» وفي الباب روايات.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم} أنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه في قوله: {واصبر نَفْسَكَ} الآية قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر.
وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله هذه الآية، يعني: من ختمنا على قلبه يعني: التوحيد {واتبع هَوَاهُ} يعني الشرك {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} يعني: فرطاً في أمر الله وجهالة بالله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبيّ في يوم حارّ، وعنده سلمان عليه جبة صوف، فصار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا، فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم، فأنزل الله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} الآية.
وقد ثبت في صحيح مسلم في سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية، وهي قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى} [الأنعام: 52]، عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} قال: ضياعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَقُلِ الحق} قال: هو القرآن.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله رَبُّ العالمين} [التكوير: 29].
وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال في الآية: هذا تهديد ووعيد.
وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال: حائط من نار.
وأخرج أحمد، والترمذي، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار منها مسيرة أربعين سنة».
وأخرج أحمد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البحر هو من جهنم، ثم تلا {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}»، وأخرج أحمد، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {بِمَاء كالمهل} قال: «كعكر الزيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه فيه»، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كالمهل} قال: أسود كعكر الزيت.
وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل فقال: ماء غليظ كدرديّ الزيت.
وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود: أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فأذابه، فلما ذاب قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشدّ حرّاً من هذا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟ المهل: سهل الزيت، يعني: آخره.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} قال: مجتمعاً.
وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء».
وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبد الله قال: في الجنة شجرة تنبت السندس منه يكون ثياب أهل الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن عكرمة قال: الإستبرق: الديباج الغليظ.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحوّل منه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأرائك: السرر في جوف الحجال عليها الفرش منضود في السماء فرسخ.
وأخرج البيهقي في البعث عنه قال: لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة، أنه سئل عن الأرائك فقال: هي الحجال على السرر.


قوله: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} هذا المثل ضربه الله سبحانه لمن يتعزّز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل بقوله: {واصبر نَفْسَكَ}.
وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدّران أو محققان؟ فقال بالأوّل: بعض المفسرين.
وقال بالآخر: بعض آخر.
واختلفوا في تعيينهما، فقيل: هما أخوان من بني إسرائيل، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ} [الصافات: 51]. وانتصاب {مثلاً} و{رجلين} على أنهما مفعولا {اضرب}، قيل: والأوّل هو الثاني والثاني هو الأوّل {جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} هو الكافر، و{مّنْ أعناب} بيان لما في الجنتين أي: من كروم متنوعة {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} الحفّ: الإحاطة، ومنه {حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش} [الزمر: 75] ويقال: حف القوم بفلان يحفون حفاً أي: أطافوا به، فمعنى الآية: وجعلنا النخل مطيفاً بالجنتين من جميع جوانبهما {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} أي: بين الجنتين، وهو وسطهما، ليكون كل واحد منهما جامعاً للأقوات والفواكه. ثم أخبر سبحانه عن الجنتين بأن كل واحدة منهما كانت تؤدّي حملها وما فيها، فقال: {كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا} أخبر عن {كلتا} ب {آتت}، لأن لفظه مفرد، فراعى جانب اللفظ.
وقد ذهب البصريون إلى أن كلتا وكلا اسم مفرد غير مثنى.
وقال الفراء: هو مثنى. وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية.
وقال سيبويه: ألف كلتا للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل، وهي واو، والأصل كلوا.
وقال أبو عمرو: التاء ملحقة، وأكلهما هو: ثمرهما، وفيه دلالة على أنه قد صار صالحاً للأكل. وقرأ عبد الله بن مسعود {كل الجنتين آتى أكله}. {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا} أي: لم تنقص من أكلها شيئاً، يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه، ووصف الجنتين بهذه الصفة للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر في عام، وتقلّ في عام {وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً} أي: أجرينا وشققنا وسط الجنتين نهراً ليسقيهما دائماً من غير انقطاع، وقرئ: {فجرنا} بالتشديد للمبالغة، وبالتخفيف على الأصل. {وَكَانَ لَهُ} أي: لصاحب الجنتين {ثَمَرٌ} قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق {ثمر} بفح الثاء والميم. وكذلك قرؤوا في قوله: {أُحِيطَ بِثَمَرِهِ} وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم فيهما. وقرأ الباقون بضمهما جميعاً في الموضعين. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر، وجمع الثمر: ثمار، مثل: جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار: ثمر، مثل: كتاب وكتب، وجمع الثمر: أثمار، مثل: عنق وأعناق، وقيل: الثمر: جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وقيل: هو الذهب والفضة خالصة {فَقَالَ لصاحبه} أي: قال صاحب الجنتين الكافر لصاحبه المؤمن {وَهُوَ يحاوره} أي: والكافر يحاور المؤمن، والمعنى: يراجعه الكلام ويجاوبه، والمحاورة: المراجعة، والتحاور التجاوب {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} النفر: الرهط، وهو ما دون العشرة، وأراد ها هنا الأتباع والخدم والأولاد.
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} أي: دخل الكافر جنة نفسه. قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم، فأدخله جنته يطوف به فيها، ويريه عجائبها، وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه: كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما اتصلا كانا كواحدة، أو لأنه أدخله في واحدة، ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما. وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف: أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، وجملة: {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ} في محل نصب على الحال أي: وذلك الكافر ظالم لنفسه بكفره وعجبه {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً} أي: قال الكافر لفرط غفلته وطول أمله: ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي تشاهدها. {وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته. قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً} اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: أنه إن يردّ إلى ربه فرضاً وتقديراً كما زعم صاحبه، واللام في {لأجِدَنَّ} جواب القسم، والشرط أي: لأجدنّ يومئذٍ خيراً من هذه الجنة. في مصاحف مكة والمدينة والشام {خيراً منهما} وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة {خيراً منها} على الإفراد، و{مُنْقَلَباً} منتصب على التمييز أي: مرجعاً وعاقبة، قال هذا قياساً للغائب على الحاضر، وأنه لما كان غنياً في الدنيا، سيكون غنياً في الأخرى، اغتراراً منه بما صار فيه من الغنى الذي هو استدراج له من الله. {قَالَ لَهُ صاحبه} أي: قال للكافر صاحبه المؤمن حال محاورته له منكراً عليه ما قاله {أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} بقولك {مَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} وقال خلقك: من تراب أي: جعل أصل خلقك من تراب حيث خلق أباك آدم منه، وهو أصلك، وأصل البشر فلكل فرد حظ من ذلك، وقيل: يحتمل أنه كان كافراً بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر، ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} وهي المادّة القريبة {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي: صيرك إنساناً ذكراً، وعدّل أعضاءك وكملك، وفي هذا تلويخ بالدليل على البعث، وأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، وانتصاب {رجلاً} على الحال أو التمييز. {لَكنا هُوَ الله رَبّى} كذا قرأ الجمهور بإثبات الألف بعد لكنّ المشددة.
وأصله: لكن أنا، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها فصار لكننا، ثم استثقلوا اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت الثانية، وضمير هو للشأن، والجملة بعده خبره والمجموع خبر أنا، والراجع ياء الضمير، وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف أنا في الوصل ضعيف. قال النحاس: مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل: لكن أنا، وذكر نحو ما قدّمنا.
وروي عن الكسائي أن الأصل: لكن الله هو ربي أنا. قال الزجاج: إثبات الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا، فجاءوا بها عوضاً، قال: وفي قراءة أبيّ {لكن أنا هو الله ربي} وقرأ ابن عامر والمثنى عن نافع، وورش عن يعقوب {لكنا} في حال الوصل والوقف معاً بإثبات الألف، ومثله قول الشاعر:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني *** فإني قد تذربت السناما
ومنه قول الأعشى:
فكيف أنا وألحان القوافي *** وبعد الشيب كفى ذاك عارا
ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية، وروي عن الكسائي {لكن هو الله ربي} ثم نفى عن نفسه الشرك بالله، فقال: {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا} وفيه إشارة إلى أن أخاه كان مشركاً، ثم أقبل عليه يلومه فقال: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله} لولا للتحضيض، أي: هلاّ قلت عندما دخلتها هذا القول. قال الفراء والزجاج: {ما} في موضع رفع على معنى الأمر ما شاء الله، أي: هلاّ قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ويجوز أن تكون {ما} مبتدأ والخبر مقدّر، أي: ما شاء الله كائن، ويجوز أن تكون {ما} شرطية والجواب محذوف، أي: أيّ شيء شاء الله كان {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله} أي: هلا قلت: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، تحضيضاً له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها، وعلى الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوّته وقدرته. قال الزجاج: لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون إلا ما شاء الله. ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه على افتخاره بالمال والنفر فقال: {إن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} المفعول الأوّل: ياء الضمير، و«أنا»: ضمير فصل، و{أقلّ}: المفعول الثاني للرؤية إن كانت علمية، وإن جعلت بصرية كان انتصاب أقلّ على الحال، ويجوز أن يكون {أنا} تأكيد لياء الضمير، وانتصاب {مالاً} و{ولداً} على التمييز. {فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ} هذا جواب الشرط، أي: إن ترني أفقر منك، فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة خيراً من جنتك في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا} أي: ويرسل على جنتك حسباناً، والحسبان مصدر، بمعنى: الحساب كالغفران، أي: مقداراً قدّره الله عليها، ووقع في حسابه سبحانه، وهو الحكم بتخريبها.
قال الزجاج: الحسبان من الحساب أي: يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما كسبت يداك.
وقال الأخفش: حسباناً: أي مرامي {مّنَ السماء} واحدها حسبانه، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي.
وقال ابن الأعرابي: الحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، والحسبانة: الصاعقة، وقال النضر بن شميل: الحسبان: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في قوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، والمعنى: يرسل عليها مرامي من عذابه: إما برد، وإما حجارة أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب. ومنه قول أبي زياد الكلابي:
أصاب الأرض حسبان ***
أي: جراد {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} أي: فتصبح جنة الكافر بعد إرسال الله سبحانه عليها حسباناً صعيداً، أي: أرضاً لا نبات بها وقد تقدّم تحقيقه {زلقاً} أي: تزلّ فيها الأقدام لملاستها، يقال: مكان زلق بالتحريك أي: دحض، وهو في الأصل مصدر قولك زلقت رجله تزلق زلقاً وأزلقها غيره، والمزلقة: الموضع الذي لا يثبت عليه قدم، وكذا الزلاقة، وصف الصعيد بالمصدر مبالغة، أو أريد به المفعول، وجملة: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} معطوفة على الجملة التي قبلها، والغور: الغائر. وصف الماء بالمصدر مبالغة، والمعنى: أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له، وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائماً، ويجيء الغور بمعنى: الغروب، ومنه قول أبي ذوئيب:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها *** وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
{فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} أي: لن تستطيع طلب الماء الغائر فضلاً عن وجوده وردّه ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل، وقيل: المعنى: فلن تستطيع طلب غيره عوضاً عنه. ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} قد قدّمنا اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره، وأصل الإحاطة من إحاطة العدوّ بالشخص كما تقدّم في قوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، وهي عبارة عن إهلاكه وإفنائه، وهو معطوف على مقدّر كأنه قيل: فوقع ما توقعه المؤمن وأحيط بثمره {فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ} أي: يضرب إحدى يديه على الأخرى وهو كناية عن الندم، كأنه قيل: فأصبح يندم {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} أي: في عمارتها وإصلاحها من الأموال، وقيل: المعنى يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق، لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم: في يده مال، وهو بعيد جداً، وجملة {وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} في محل نصب على الحال، أي: والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمهم التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض، مأخوذ من خوت النجوم تخوى: إذا سقطت ولم تمطر في نوئها، ومنه قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَة بِمَا ظَلَمُواْ} [النمل: 52] قيل: وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل، وأيضاً إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي، وجملة: {وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا} معطوفة على {يقلب كفيه}، أو حال من ضميره، أي: وهو يقول تمنى عند مشاهدته لهلاك جنته بأنه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه على حقيقته، لا لما فاته من الغرض الدنيوي، بل لقصد التوبة من الشرك والندم على ما فرط منه. {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله} {فئة} اسم كان و{له} خبرها، و{ينصرونه} صفةً لفئة، أي: فئة ناصرة، ويجوز أن تكون {ينصرونه} الخبر، ورجح الأوّل سيبويه، ورجح الثاني المبرّد، واحتج بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] والمعنى: أنه لم تكن له فرقة وجماعة يلتجئ إليها وينتصر بها، ولا نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق {وَمَا كَانَ} في نفسه {مُنْتَصِراً} أي: ممتنعاً بقوته عن إهلاك الله لجنته، وانتقامه منه. {هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق} قرأ أبو عمرو والكسائي {الحق} بالرفع نعتاً للولاية، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وعاصم وحمزة {الحق} بالجرّ نعته لله سبحانه. قال الزجاج: ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما تقول هذا لك حقاً. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: {الولاية} بكسر الواو، وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى، والمعنى: هنالك، أي: في ذلك المقام، النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: الولاية لله الحق هنالك {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} أي: هو سبحانه خير ثواباً لأوليائه في الدنيا والآخرة {وَخَيْرٌ عُقْبًا} أي: عاقبة، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة {عقباً} بسكون القاف، وقرأ الباقون بضمها، وهما بمعنى واحد، أي: هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، يقال: هذا عاقبة أمر فلان، وعقباه: أي أخراه.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} قال: الجنة: هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر، فلذلك كانا جنتين، ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: نهر أبي قرطس نهر الجنتين. قال ابن أبي حاتم: وهو نهر مشهور بالرملة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا} قال: لم تنقص، كل شجر الجنة أطعم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} يقول: مال.
وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، قال: قرأها ابن عباس {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} بالضم، وقال: هي أنواع المال.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قال: ذهب وفضة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ} يقول: كفور لنعمة ربه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهنّ عند الكرب: «الله الله ربي لا أشرك به شيئاً».
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن يحيى بن سليم الطائفي عمن ذكره قال: «طلب موسى من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فقال: يا رب إني أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتها الآن، فأوحى الله إليه: يا موسى، أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج».
وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوّة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته، وقرأ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله}»، وفي إسناده عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس. قال أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح حديثه.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أنس نحوه موقوفاً.
وأخرج البيهقي في الشعب عنه نحوه مرفوعاً.
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال لي نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت: نعم، قال: أن تقول: لا قوّة إلا بالله» وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} قال: مثل الجرز.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {حُسْبَانًا مِّنَ السماء} قال: عذاباً {فتصبح صعيداً زلقاً} أي: قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} أي: ذاهباً قد غار في الأرض {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ} قال: يصفق {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} متلهفاً على ما فاته.

1 | 2 | 3 | 4 | 5